أحمد بن يحيى العمري
115
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
بدولته الأفضل ابن أمير الجيوش « 1 » وزير أبيه ، وكان هو وزيره والذي يربيه ، وكان أبا برا ، إلا أنه أبى أن يفك عنه حجرا ، ولم يزل يربيه على الشهامة ، ويرتبه ترتيب الإمامة ، إلى أن اشتدت ساعده ، فرماه وأصابه من حيث لا يرى فأصماه ، وكان الآمر أسمر « 2 » شديد السمرة ، شهما لا تخمد له جمرة ، عليّ الهمة ، بليّ العزمة ، لا يبعد عليه منال ، مهما رام نال ، وكان الأفضل مدة وزارته له ، قد عامل الرعية بإحسان ، وأبرز أيامه فيما يروق من الاستحسان ، وكان من قلوب الرعايا بمحل ، ما ثوى في غيره ولا حل ، فلما مات وجدت لفقده ، وجدّت في البكاء عليه والوقوف على لحده ، وخلف من خزائن الأموال المملوءة ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ، وكذلك وجد له من الجواري وحلى النساء ، ما لو كوشف به الليل لمحا آية المساء ، ويحكى من حسن اهتمامه بعمارة الأرض وتغليقها ، ببذل البذار وتنميقها ، بما لا يزال ولاة الأعمال منه على جانب الحذار ، أنه استجلب أردبين قمحا غرائب الزريعة ، أراد أن يجعلهما للاختبار الذريعة ، فأخرهما حتى فرغ أوان الزرع ، ولم يبق لمحراث في الأرض قرع ، ثم بعث بالأردبين أحدهما إلى الصعيد ، والثاني إلى أسفل مصر ، وكتب إلى والي كل عمل منهما ، بأن يبذر إردبّه ويستكمل زرعه ، ولا يؤخر منه حبة ، فأجابه أحدهما بأنه قد فعل ، وأجابه الآخر بأنه اجتهد على تحصيل أرض فارغة لبذارها فما حصل ، فعرف اهتمام الأول بتغليق عمله ، وإهمال الثاني ، حتى
--> ( 1 ) الأفضل شاهنشاه : أحمد بن بدر الجمالي ، أبو القاسم الملقب بالملك الأفضل ، وزير مولده بعكا ، خلف أباه في إمارة الجيوش المصرية ، أرمني الأصل داهية جيد الرأي حسن السياسة ، وطّد دعائم الملك للآمر بأحكام الله ، ثم نقم عليه الآمر فدس له من قتله على مقربة من داره بالقاهرة ، وكان أول من استوزره المستنصر جد الآمر ، كانت ولايته 28 سنة قتل سنة 515 ه . ابن الأثير 10 / 209 ، ابن خلكان 1 / 221 ، ابن خلدون 4 / 70 ، النجوم الزاهرة 5 / 222 ، البداية والنهاية 12 / 188 - 189 ابن الوردي 2 / 28 ، مرآة الجنان 3 / 211 ) ( 2 ) في الأصل : ( أسمرا ) وهو لا ينصرف .